ابن عربي
246
مجموعه رسائل ابن عربي
الإمكان ، فمن ثبت قدمة استحال عليه صيغ الأزمان « 1 » والإشارة بصيغ المكان ، إلّا من طريق المجاز ، لا على الجواز ، لما في عالم العبارة من العجز والقصور ، وفي ذلك المقام من العلو والأعزاز ، فيطلقها عليه للعقول المعقولة بأفكارها ، ليجوز « 2 » منها إلى إدراك المعاني المقدسة الموصلة « 3 » في فطرها المؤسسة ، ولولا الإمداد لهذه العقول المتعطشة لمعرفة بارئها : الحائرة ، ما احتجنا إلى استعمال هذه العبارات القاصرة ، فله الصفات العلي ، والأسماء الحسنى ، والنبأ الأسنى ، وحجاب العزة الحمى تجلى اسمه الحي فحييت به الموجودات ، والقيوم فقامت به الأرض والسماوات ، ومن فيهن من عوالم البقاء والاستحالات ، فعنت لحياته الوجوه ، وسجدت لقيوميته الجباه ، وأقنعت لعظمته الرؤوس ، وتحركت بذكره الشفاه ، وحبا سيدنا هذا بفنون المعارف والأسرار ، ومنحه جزيل العوارف في مطالع الأنوار ، فأداره مع الأفلاك ، واسرى به مع الأملاك ، فوقف على الآثار الفلكية ، وتحقق بأسرار اللطائف الملكية ، وخاطب كل روحانية بلغتها ، فعرفته بمكان حكمتها ، فلما حل في أوج العلا نزل في خط الاستوا ، خوفا أن ينحرف إلى أحد الميلين ، فتذهب بعض معارفه ، وتستحيل إلى الكثافة بعض لطائفه ، وعلم ما يكون من طمو البحور ، فأودع الحكم في الصخور ، ثم عاد إلى مرقاه الأوسط ، وحل منه في الوسط ، وهو مقامكم هذا الذي أنتم به قاطنون ، وعنه عند انقضاء كلامنا راحلون . ثم لما وصل محفوظ الجوانب ملحوظ المآرب ، نكح المهاة ، وامهرها الحياة ، فسرت منها في زوايا وجود الكون ، وتخللت مسالك كل عين ، وقام ميزان العدل في قبة الفضل ، وزالت البغضاء وارتفعت الشحناء ، وظهر سلطانه في القلوب ، بانتصاصات الغيوب ، لا زال مجده سنيا ، ومكانه عليا ، ثم نزل فقلت يا أبا العلا لم أختصصت بالقلب ؟ فقال : لكونه الحضرة التي وسعت جلال اللّه « 4 » ، الموضوعة على صورة القلب ، قلت ولم اختص بها سر المهاة ، فقال : لكونه معدن الحياة ، وسيبدو لك في روحانية كل سماء ما يقابله منك من
--> ( 1 ) في المطبوعة : « فمن ثبت قدمه ، واستحال عليه اطلاق صيغ الأزمان » . ( 2 ) في المطبوعة : « لتجوز » . ( 3 ) في المطبوعة : « الموصولة » . ( 4 ) في المطبوعة : « الرب » .